محمد اسماعيل الخواجوئي

15

الرسائل الإعتقادية ( ط الأولى )

أصفهان ، واستولت على أطرافها جنود أفغان ، فمنعوا منها الطعام ، وفشى القحط الشديد بين الأنام ، وغلت الأسعار ، وبلغت قيمة لم يبلغ إليها منذ خلقت الدنيا ومن عليها . وصارت سكنة أصل البلد : إمّا مقيمين فيه جائعين ، وعن المشي والقيام عاجزين ، مستلقين على أقفيتهم في فراشهم ، لا يقدرون على السعي في تحصيل معاشهم ، أو مشرفين على الهلاك في مجلسهم ، يجودون للموت بأنفسهم ، حتّى صاروا أمواتا غير مدفونين في قبورهم ، وإن اتّفق دفن بعضهم - وقليل ما هم - ففي دورهم . وإمّا هاربين من داخل البلد إلى الخارج ، فأرسل عليهم شواظ من نار مارج ، من صواعق نصال السهام والرماح من جيوش أعدائهم ، فاستحيوا مخدّرات نسائهم ، وقتلوا رجالهم ، وذبحوا أطفالهم ، وغصبوا أموالهم ، ولم يبق منهم إلّا قليل ، نجّاهم الأسر والاسترقاق ، فهم أسراء مشدّدوا الوثاق ، فأكثر سكنة تلك الأقطار : إمّا مريض ، أو مجروح ، أو مذبوح على التراب مطروح . ثمّ آل الأمر إلى أن استولوا على تلك الديار ، فدخلوا في أصل البلدة ، وتصرّفوا في كلّ دار وعقار ، وجعلوا أعزّة أهلها أذلّة ، فحبسوا الملك ، وقتلوا أكثر الأمراء مع بعض السكنة ، وباد بقية أهلها ، وخرب جبلها وسهلها ، ولم يبق من أوطانها إلّا مقرّ يتيم ذي مقربة ، أو مسكن مسكين ذي متربة . فيا أسفا على الديار وأهلها ، ولا سيّما الخلّان والأصدقاء ، ووا حزناه على تخريب المدارس والمعابد ، وفقدان الفضلاء والعلماء والصلحاء ، ووا مصيبتاه على اندراس كتب الفقهاء ، وانمحاء آثارهم بين الأذكياء الطالبين للاهتداء . ولست أفشي لديك ممّا قصصت عليك شكاية الدهر الغرّار الفتون ، بل إنّما أشكو بثّي